مدونة جميل الرويلي وطن

↑ إحصل على كود هذا البنر

الرومانسية !

كتبهاجميل الرويلي ، في 12 نوفمبر 2009 الساعة: 20:07 م


الرومانسية مذهب أدبي ثم فلسفي في تعاطي التصورات و الانفعالات الإنسانية و مناقشة الكون و الحياة نتج في أصل نشأته عن اضطراب المجتمع المدني في فرنسا ثم ألمانيا ثم بقية المجتمعات في أوروبا التي فقدت الدين ثم فقدت روح المبدأ الجماعي ثم فقدت الحقيقة في معنى الحياة عندما أيقن الإنسان الأوروبي أن ثورة فرنسا ليست إلا صيحة رجل مجنون , جمعت الناس على أمر لا يعلمون لماذا اجتمعوا عليه ! . لقد كان الاتجاه الرومانسي هو أول النتاج النفسي للحضارة المدنية و لهذا تجد في سماته كل مؤثرات المدنية الصلفة , فهو يميل إلى اللامعقول و ينبذ القواعد و الأصول و يطلق أجنحة العاطفة في سماء التصور بلا حدود لأن المدنية تقيد الإنسان في قفص من إسمنت مسلح و تحوله إلى مجرد آلة في ورشة عمل كبيرة, شعوره هو آخر شيء يحق له أن يتكلم عنه حتى يعود إلى منزله من جديد . و لأن الإنسان الغربي مازال يحمل في نفسه " عقدة الاضطهاد النظامي " الموروثة عن سيطرة الكنيسة و لصوصها في الحقبة السابقة فقد صار يمقت الشكلية المنظمة و الترتيب السلوكي و الحكم المسبق على المبادئ العامة , و لهذا يمتاز المذهب الرومانسي بفرط الأنانية الشعورية و تسلط الخيال الفردي دون أي اعتبار لكل مقومات التصور و الشعور المشترك , ولهذا تجد الأب الغربي كاثوليكياً و زوجته بروتستانتيه و ابنته ملحدة و ابنه بوذياً وثنياً , و ستعلم كيف آل بهم الحال إلى هذا الوضع بعد نهاية هذا الفصل من الكتاب , وهذه ردة فعل طبيعية للشعور بالتهميش و الاحتقار الآلي الذي ينتج عن طبيعة جريان الحياة المدنية التي ينساب الناس في شعابها كما تتدافع الثيران من باب الحظيرة لا تعرف شيئاً سوى أنها تريد أن تجتاز , تلك المدنية التي تفتت أفراد المجتمع فيها في خلايا المصالح المدنية الكثيرة الناتجة عن تنوع المعاملات و التداخلات حتى يشعر الفرد بأنه في سجن انفرادي مع أنه يعيش بين ضجيج المصانع و الناس !.
ترتبط كلمة " رومانسية " في أذهان الناس بالجلسة ذات الأنوار الخافتة أو تحت ضوء القمر أو الكلام الغزلي أو المنظر الطبيعي الخلاب و هي في حقيقتها أكبر و أشمل و أعمق من هذا الفهم التطبيقي الساذج , لأنها منهج حياة و تفاعل و تصور يسيطر على الداخل الشخصي و الخارج الاجتماعي و هي مرحلة أصدق ما يطلق عليها بمرحلة التشويش لأجل التغيير و ليست كما يصورها أصحابها بأنها التنظير لأجل التغيير .
سنناقش تعريف الرومانسية على لسان القوم الذين ولد في أحضانهم هذا المذهب , حيث عرفها جوته بأنها " مرض و ضلالة مهلكة ! "(4) و عرفها ووتر هاوس بأنها " جهد للهروب من الواقع "(5) و أصدق من عرفها هو أشعيا الألماني حيث قال " طغيان الفن على الحياة " (6) , والفن هنا يقصد به الخيال الحر الذي يترتب على تصوراته السلوك النفسي و الاجتماعي و ليس هو الغناء و الرقص فقط ! , و إن كان يدخل فيه الغناء و الرقص و لكن بعقيدة و هدف كما يزعمون !! , ولهذا كثيراً ما نسمع من يقول " الفن رسالة ! " , أما الغناء و الرقص بلا عقيدة و بلا هدف فهذا ما يسمى بالجمالية التي هي الفن من أجل الفن ! , و أهم أصول الرومانسية هي طغيان الخيال الشخصي على الذات بحيث يبني كل فرد عقيدته تجاه العالم بنفسه دون أي قيود و الخروج عن النسق و القاعدة و أن يكون له الحق في التعبير عن كل ذلك كيفما يشاء . و قد ذكرت ليليان فورست في بحثها المتخصص في " الرومانسية ", مقاصد الرومانسية التي أعلنت في نهاية القرن الثامن عشر , فقالت : ( نجد أن مرحلة ما قبل الرومانسية تتحرك بفعل نفور حقيقي من كل ما كانت تمثله الكلاسيكية , التي هي تعظيم النظام واحترام الماضي , مثل : قواعد بليدة , أناقة سطحية , نمطية , ترتيب, آراء محددة , تكلف , أعراف , وعظية , حضارة القصور , الحفاظ على الوضع الراهن .) (7) , و تقول : ( ففي كل مجال كان التوكيد على ما هو طبيعي ضد ما هو عقلاني و على التلقائي ليأخذ مكان المحسوب و على الحرية لتكون بديلا عن الخضوع لنسق ) (8) , ثم تتكلم عن الجماعات الأولى التي تبنت الرومانسية فتذكر الرومانسيين الألمان : ( جوته – شيلر- هردر- كلينكر- لنتز- بركر , كانوا في ثورة ضد أي مذهب منظم أدبي , اجتماعي , سياسي , أو ديني ففي اندفاعهم العام للتخلص من قيود الماضي , رفضوا جميع مظاهر الوضع الراهن و كل ما كان يهم في الحياة كما في الفن هو النبوغ الأصيل الخلاق لدى الفرد الذي يجب أن يكون حرا للتعبير عن خبرته الشخصية تلقائياً . ) (9) , ثم تتكلم عن جماعة الرومانسيين الأوائل : (كانت فئة الرومانسيين الأوائل بؤرتها الأخوان شليكل , فريدريك و قد شملت من الشعراء فكندور و تيك و نوقاليس , و المفكر الديني شلايرماخر و الفيلسوفين الطبيعيين شيلنك و بآدر و الفيزيائي ريتر ! . و لم تكن هذه الشمولية محض تعبير عن هوس تقليدي ألماني بالثقافة , فقد كانت نابعة من النظر إلى الرومانسية بوصفها إعادة تقويم وجودية شاملة كان مقدرا لها أن تشع من الشعر لكي تقلب العالم أجمع ) (10) . و أنا هنا ألفت الانتباه إلى هذا النقل الأخير فقد ذكرت أن الرومانسية يقوم عليها العالم و الفيلسوف و المفكر الديني ! و الفيزيائي , بل و الصحيح أن الرومانسية يدخل فيها حتى البغايا و العاهرات لأنها مبنية على تقديس المعتقد الشخصي و حرية التعاطي مع الحياة و فتح الأبواب للإنسان لكي يمارس الطبيعة البشرية بلا قيود حتى أن أحد المنظرين الأوائل للرومانسية , 1739 م , و هو هيوم قال في كتابه " القول في الطبيعة البشرية ", الكتاب الثاني , القسم الثالث , المقطع الثالث : ( العقل هو الإنسان , و يجب أن لا يكون العقل سوى العبد للعواطف ! ) , و في نفس الحقبة الزمنية ألف منظر آخر هو ديديرو, 1757 م , كتاب " الإبن الطبيعي " أي ابن الزنا , يمهد فيه للرومانسية القادمة ! , و نفس هذا الاسم حمله فيلم سينمائي تم طرحه قبل سنوات قليلة وحصد الكثير من الجوائز ! , فنحن لا نتحدث عن مذهب منقرض أو غير فعال فالرومانسية تبث في بيوتنا , بين أطفالنا و نسائنا , بل إني رأيت بعيني رأسي لوحة دعائية عرضها قرابة عشرون متراً في ارتفاع خمسة أمتار على جسر في مدينة جدة و قد كتب عليها " تابعوا معنا الأب الطبيعي " على قناة كذا و كذا , والأب الطبيعي هو الزاني والد الابن الطبيعي !. وهذا الذي يحدث هو الذي يسمونه " دعوة العودة إلى الطبيعة ! " و هو الذي على أساسه تم في المغرب و تونس و لبنان تشريع قانون " الزواج المدني " أي الطبيعي ! , بمعنى أن أي ذكر يحق له أن يتزوج أي أنثى ! , فهذا هو قانون الطبيعة بلا تفاصيل رجعية زائدة ! .
لم تكن الرومانسية كمذهب هي مجرد أداة شعرية أو أدبية و حسب بل كانت في أصل نشأتها حاجة اجتماعية أملتها تطورات المجتمع المدني الذي لم يكن يتصور كيف تركب فتاة أوروبية تقليدية ذات ثوب طويل تجره خلفها على دراجة هوائية متجهة إلى العمل ! , و لا كيف يخرج السيد البرجوازي المهيب من قصره بنصف ملابسه ليدور على قصره و يطبق نصائح الطبيب بكثرة الجري و الحركة ! , و تتابعت الاحتياجات و تتابعت الخروقات للأعراف و التقاليد على المستوى الفكري ثم الاجتماعي و السياسي ثم بدأت مرحلة الدعوة إلى الطبيعة والتلقائية و نبذ القواعد و التقاليد و رفض الوضع الراهن بكل تفاصيله ثم بتطبيق ما قاله إشعيا الألماني في تعريف الرومانسية " طغيان الفن على الحياة " و ذلك بجعل الرومانسية مذهباً عالميا لمناقشة الوجود و الحياة دون أي قيود .

عندما يسقط المبدأ العام و تخلوا الشوارع من الأعراف و يصبح ليس من حقك و لا حق أي أحد أن ينكر أي شيء لأن الحرية المدنية تمنع ذلك , عندها لن يكون للإنسان مكان يمارس فيه إنسانيته إلا في بيته و لا أمان إلا في صمته و لا حرية شخصية إلا في الرومانسية ! , و لهذا تجد أن من طابع الإنسان المدني شدة الحذر من إبداء رأيه في التجمعات و المرافق العامة و كثرة الصمت و الرغبة في الانطوائية على معتقداته الخاصة حتى تجاه المجتمع بل حتى تجاه نفسه , وهذا ملاحظ في أي إنسان غربي و الناس يعتقدون أن هذا من فرط لباقتهم و الصحيح أنه من شدة شعورهم بالغربة خارج منازلهم فهم يوقنون حق اليقين أن الشارع ليس ملكاً لهم و لا لأي أحد من الناس و إنما هو للمدنية الصلفة ! .

لا تعترف الرومانسية بالثوابت و لا تعترف بالمعقول و لا بالأعراف و تثور على كل القيود الكلاسيكية كما يسمونها , و تقدس الطبيعة البشرية و الكونية و تدعو إلى الرجوع إليها , و كل هذا أيضا ناتج عن مؤثرات المدنية . فالثوابت إما أن تكون دينية و لا دين في المدنية التي تعتبر الجنون فناً من الفنون المعلنة , و إما أخلاقية و لا أخلاق في المدنية الصلفة لأن الخلق لا يكون خلقاً إلا إذا رافقه إقدام أو إحجام و المدنية لا أحد يستطيع أن يناقشها فهي كتروس الساعة و الإنسان عقربها الذي عليه أن يتناغم مع حركة التروس الخفية تحته فينضبط و يعبر عنها بدقة و إلا سوف يلقى في أقرب برميل زبالة ! , لأنه لا ينضبط و لا يمثل المدنية التي لا تؤمن إلا بنفسها ! . و لا تعترف الرومانسية بالمعقول لأنها لا يمكن أن تكون عاقلة و هي ناتجة أصلاً عن رغبة بالجنون حتى قال أحد أكابر المذهب الرومانسي لا يمكن أن تعطي تعريفاً للرومانسية دون أن تكون مجنوناً ! . فعندما يختزل العالم إلى بيت صغير و غرفة صغيرة تمارس فيها إنسانيتك , و عندما يختزل الكلام على كثرته في حفنة عبارات تقولها لرئيسك في العمل ,و عندما يختزل الأمان و الثقة على ذات الإنسان فقط و يصير كل من سواها أغراب و انتهازيون و عندما يختزل الشعور و الانفعال النفسي إلى لحظات يقضيها الإنسان في فسقة ليلية أو رقصة هستيرية في السحر بين صرخات الموتورين من أمثاله فلا بد أن يكون الحل في الهروب إلى عالم آخر لا يعترف بالمعقول و لا بالنظام !.

قد لا يتصور البعض أن الكفر أو الفسوق عن أمر المبدأ الموروث بما في ذلك الدين و العرف ربما يكون رغبة ذاتية نتيجة الإلحاح النفسي بضرورة إثبات الذات . فالمجتمع الذي يعيش الفرد فيه و هو يعتقد أن مجتمعه هذا يسلب الإنسان كل القدرة على تمثيل نفسه يورث في النفس اندفاعاً لتحقيق المعتقد الشخصي مهما كان انحرافه لأن هذا الإنسان المدني المفعم بالعقد الاضطهادية تجاه بيئته يتحين أي فرصة لكي يثبت ذاته المهمشة – بحسب ظنه - فإذا كان هذا لا يتحقق إلا بمعزل عن ملاحظة الآخرين و سيطرة المدنية الصلفة التي لا تعترف بقيم ثابتة يقايس الإنسان عليها ذاته من حيث نفاسة ما عنده و تفاهته فإنه لن يكون إلا في زوايا النزعة الرومانسية التي وسع خيال المؤمنين بها الإيمان بشخصية الرجل السوبرمان الذي يشبه في قدراته الخرافية المهدي المنتظر عند الرافضة و الذي بمجرد ما أن يرفع يديه في الهواء يطير فلا ينزل إلا على سطح الشمس أو القمر , و هذا يدلك على ما بلغته العقلية الأوروبية للإنسان العادي من حيرة و ضيق و رغبة جامحة في نجدة تأتي من السماء لتنقذها من هذه الجاهلية الرومانسية , فكان ذلك سوبرمان , عجل الله فرجه , كما يقولون !! .

من كتابي : ( تحقيق خلافة الإنسان على الأرض )

————

الهوامش
(1) متفق عليه
(2) الذاريات : 7
(3) جمهرة خطب العرب ( 3\ 341 )
(4) موسوعة المصطلح النقدي : 256
(5) موسوعة المصطلح النقدي : 164
(6) موسوعة المصطلح النقدي : 164
(7) موسوعة المصطلح النقدي : 196
(8) موسوعة المصطلح النقدي : 196 - 197
(9) موسوعة المصطلح النقدي : 211
(10) موسوعة المصطلح النقدي : 221

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فري القلم |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “الرومانسية !”

  1. شكرا لك

    موضوع جميل و مفيد جداااا

    …………

    ادعوك لزيارة مدونتى ..

    تحياتى .

  2. جميل .. يحيرني سؤال

    هل الكتابة ..فعل !؟

    عمر هذا السؤال سنة تقريبا

    ولم اخلص لجواب بعد

    بركاتك مولانا ..

  3. الكتابة فعل إن كانت في محلها !.
    و لكن الكتابة ” الحرة من كل وظيفة ” تبقى فعلا زائدا !.

  4. أهل أختنا عبير ..
    مدونتك هادئة و وديعة
    وفقك الله



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر